نشرت تحت تصنيف سيدتى بأقلام مبدعين

للروح عودة بقلم الاستاذه نبيله غنيم

للروح عودة 

لا يتوفر نص بديل تلقائي.

تقف المستشفى الشامخة في وسط المدينة .. يحيطها الضباب من كل جانب.. أنين المرضي يرتد إلي صدورهم دون أن يسمعه أحد.. رائحة الرطوبة مع رائحة صدأ الحديد تنبعثان من حوائط حجرات المستشفى بألوانها الكالحة تبعث الكآبة في النفوس وتزيد المرضى مرضا.. بعض ملائكة الرحمة تهرولن بأدوية لا تُشفي.. ورحمتهن فقدت ظلها.. بعضهن ينشغلن بحلم الحب والزواج وبعضهن ينشغلن بأغراض متشعبة من أولاد وزوج وغيره، وأخريات ينشغلن بذلك الطبيب الوسيم الذي يشغل منصبا مرموقا في المستشفى والذي يوزع الحب عليهن ويعد كل منهن بوعد تسره في طياتها وتحسب نفسها مليكته المفضلة.. 
وسامته جعلته أكثر الرجال غرورا.. فله ابتسامة خلابة وصوت رخيم جذاب.. طوله الفارع يجعل كل البشر أسفل عينيه.. ذكاء حاد يطل من عينيه.. ملامحه تتزين بالقوة والرزانة والجدية.. مما يسترعي انتباه الجميلات من طبيبات وممرضات ومرضى ، فهو يمثل دور فارس الأحلام المزعوم.. فقد خضع الكثير من النساء لتأثيره البارع.. إلا “مريم” تلك التى تختبئ خلف نقابها .. وخلف حدوتة مأساوية تلهيها عن التفكير في أي شئ سواها.
لم يجد “د. مجدى” مدخلا لمريم سوى أن يثير حفيظتها ويخرج بها من قوقعتها ووحدتها والخجل الذي يكتنفها .. فاستغل وحدتها في وردية الليل وجلس إلي جوارها يسألها عن أحوالها وعما إن كانت تشعر بأي مضايقات في هذا المستشفى الكبير؟ فهو يراها تسير في مسار واحد ولا تُبدى أي اهتمام سوى بحالها البائس.
تطرّق بها إلي بعض الحكايات التى تدور في العمل وحياته المشتتة بين المُعجبات .. وزوجته التى أهملته لانشغالها بالأطفال… وأحاديث عدة تكتنفها الإثارة…. 
توقف عن الحديث قليلا ثم نظر في عيني “مريم” نظرة طفولية قائلاً: هل تصدقين يا مريم أن النساء علموني عدم البراءة .. لقد اغتصبتني أكثر من امرأة!
اندهشت مريم وجحظت عيونها من الدهشة وهي تنظر إلي وداعته الساكنة في وجهه .. ورددت الكلمة بين شفتيها همساً : ” أغصبنك”؟!!!!
يرد “مجدي” بتوتر مصنوع: نعم .. أعرف إنكِ لم تتعودي علي سماع شئ كهذا من قبل .. ولكن هذا ما حدث لي بالفعل.
يُصاب عقل مريم بالارتباك قليلا فتلوذ بالصمت وتمسح الأرض بعينيها أكثر من مرة.. فما بها من أوجاع يجعلها تستخف بكلامه .. وتركل كل ما قاله خلف أذنيها.
وجد مجدى أن دهشتها قد انطفأت بسرعة البرق.. فقرر ان يقتحم صمتها بلون آخر من التَصَنُع.. فقال لها متعاطفا وهو يمد يده لوجهها ليرفع رأسها عاليا: أعلم بأوجاعك.. ولو استطعت مسحها عن كاهلك سأفعل!! .. جفلتْ مريم من جرأته وهمت للخروج من حجرة الممرضات.. فاستوقفها ليخرج قبلها ونظر إليها نظرة أسف وتركها تُلملم ما تبعثر من أفكارها.. 
حاول تجنبها فترة قصيرة متعمدا.. ثم تَحَيَّن فرصة تواجدها وحيدة مرة أخرى في الغرفة ففاجأها بتقديم قلب ذهبي كهدية في علبة صغيرة من القطيفة الحمراء.. 
نظرت إليه طويلا ثم قالت له بحِدة: ماذا تريد من امرأة متزوجة!! وما مقابل هذه الهدية؟؟
فترك لها الهدية وخرج دون إجابة !!
ظلت تتأمل القلب الذهبي.. شبح ابتسامة تَعَجُب تمر بشفتيها .. فهى لأول مرة في حياتها تتلقى هدية من إنسان.. ويستوجب عليها ردها لصاحبها !!
ولكنه كالعادة اختفي عن ناظريها حتى تتآلف مع هديتها فيسهل التأثير عليها!!
وكعادته تحيَّن الفرصة واستأذنها في أدب جم أن يزورها.. فهرعت إلي العلبة لتعيدها إليه .. فأمسك العلبة وهي بين يديها لتُبقيها معها قائلا: لو لم تأذني لي سأخرج هذه المرة بلا عودة .. 
لا تعرف ماذا دهاها في هذه اللحظة.. ولماذا خرست حدتها؟؟.. 
فانتهز مجدى لحظة ضعفها وتسلق خلوتها ودعاها للجلوس إلي جواره وقال في صوت خفيض: لماذا النقاب وعيونك تفضح جمالك.. ؟؟
قالت.. دعنى لشأني فالنقاب حالة من الهروب .. وأنا لا أحب أحداً أن يقرأ أحزاني علي صفحة وجهي.. كما أننى أختبئ بداخله وأتكوم علي نفسي وأعتزل الدنيا.
ابتسم لها وقال: وهل لجميلة مثلك أن تعتزل الدنيا.. وتترك الساحة للقبيحات؟
تعثرت الكلمات علي شفتيها .. فهى لم تذكر منذ متى لم تدغدغ أذنيها كلمات كهذه!!
تنفلتُ من بين يديه وتخرج من الحجرة.. تتكرر الزيارات المباغتة.. فيدخل الشيطان متعاظما ليزرع بذرة الرغبة في عقلها .. دلفت منه إلي قلبها فنبتت رغبة عارمة في مبادلته الغرام فوقف عقلها مستسلما أمامه.. مسحورة بسحر الذكورة التى حُرمت منها منذ زمن.. فبدأت مرحلة تكسير الحواجز وهتك كل قيمة حتى فلت منهما صمام الأمان وكان ما كان.. بعدها رافقته في عيادته الخاصة أيضا وصارا معظم الوقت سويا.
يتثاءب الوقت فيما بينهما.. وتهبط درجة الرغبة عنده .. يتسكع في ميدان رغبته في اصطياد القلوب .. وتكافح هي في صد الدخيلات بضراوة.. إلي أن تعرَّفَ علي فتاة رقيقة في إحدى المؤتمرات الطبية شغلت تفكيره بعد أن تبادلا أرقام الهواتف وعناوين الإيميلات للتواصل.. 
لم يكن يعلم أن مريم قد حاصرته بمعرفتها الرقم السري لإيميله .. وتتجسس علي هاتفه من آن لآخر كلما سنحت لها الفرصة.. فعلمت علاقته بزميلته الطبيبة “رنا” .. فاستشاطت غضباً واتصلت بها علي أنها امرأته وهددتها إن لم تبتعد عنه سوف تسبب لها فضيحة لا منتهى لها.. 
وَجِلَتْ “رنا” وبَهُتتْ من تعامل هذه السيدة معها بهذه الطريقة التى تفتك بأقل قواعد الذوق.. وبعد أن هدأت قليلا فكرت أن تتصل بزوجة الدكتور مجدى وتهدئ من ثورتها وتُعلمها بأن علاقتها بالدكتور لا تتعدى الزمالة ولو أنها أرادت قطع العلاقة تماما لكان لها ما تريد.. فعاودت الاتصال بها وقالت لها في هدوء: اعتذر سيدتى علي سوء الفهم.. فأنا امرأة متزوجة ولا أسمح بدخول إنسان إلي حياتي مهما كان قدره.. ولكن ما بيني وبين د. مجدى مجرد تبادل أفكار علمية فقط.. فلا تجزعى سيدتى أبدا.
توسمت مريم في صوت رنا روحا طيبة وأدباً جماً.. فقالت لها: هل تسمحين بمقابلتى؟؟
رحبت د. رنا وحددت لها موعدا في مكان جميل يبعث في النفوس الراحة والهدوء.. 
جاءت مريم متحفزة علي هدم أي أمل للدكتورة رنا في حدوث أي علاقة من أي نوع بينها وبين الدكتور مجدى.. 
جلست كل منهما متقابلتين .. ابتسمت رنا ابتسامة ما قبل الحديث مما جعل مريم ترخى عضلات وجهها وتأخذ نفسا عميقا لتهدئة أعصابها ورسمت ابتسامة بحرفية شديدة علي وجهها بعد أن رفعت النقاب.. وبدأت الحديث ببعض الوعيد بعدم محاولة رنا بالاقتراب من الدكتور مجدى.. فعاجلتها رنا بقولها: حقك سيدتى الدفاع عن زوجك.. ولكنى أعدك أن أغلق كل ما بيني وبينه من وسائل اتصال نهائيا طالما هذه رغبتك.. فأطلقت مريم ضحكات هستيرية أفزعت رنا وجعلتها في حالة من الدهشة لحال هذه المرأة الممسوسة العقل .. فأردفت مريم قائلة: أنتِ واهمة سيدتى.. أمثال الدكتور مجدى يغريه التمنع .. سيظل يلاحقك حتى تقيعين في شباكه.. فقالت رنا في ثقة: أنا أستطيع التعامل مع أمثاله جيدا.. فلا تقلقي . وجدت مريم شيئا يسير بين جوانحها سريان السحر.. ورغبة عارمة في البوح لهذا الملاك بفيض أوجاعها وأن تتخلص من بعض أدرانها بمسحة من يد هذه الروح التى سيطرت عليها إيجابا!!
ساد الوجوم للحظة وغمغمت سحب قاتمة على وجه مريم .. وطفقت تحكى لرنا حكايتها.. واعترفت لها بأنها عشيقته.. وأن زوجة الدكتور امرأة رائعة في كل شئ ولكنها غافلة عما يفعل زوجها .. فهو يتقن فن المراوغة وترويض النساء ومراودتهن.. وأنه رسم لنفسه صورة الملاك عند زوجته وعند أهليهما.. مما جعله مصدر الثقة 
وصورة الملاك هذه يستغلها كمصيدة ماهرة لمن يريد اصطيادها.. 
وإنها كانت إحدى فريساته.. ثم بكت مريم وهي تؤكد لرنا أنها لم تستسلم له بسهولة ولكن إغراءاته واضطرارها لإشباع احتياجاتها لأنها متزوجة من رجل كسيح .. أصيب في حادثة إصابة بالغة.. جعلته جثة لها لسان لاذع .. برغم احتياجه لرعايتى!! فصرت بين كفي رحى.. يهتاج ضميري أحيانا ويخمد أحيانا.. ويُصيبني الرعب أحيانا أخري كلما تخيلت أن أولادي علموا بإنسانيتي المنحطة.. ومرافقتى لهذا الطبيب الذي شعرت معه أننا وجهان لعملة واحدة.. فهو يستمتع باصطياد الفريسة ومحاورتها ومداورتها حتى تترنح وتقع بين يديه، فيصبح في أوج سعادته .. ثم يزهدها فيسلمها لي لأخلصه منها فاستمتع أنا بدوري بمص ما تبقي من دمها بتهديدها وفضحها بأقصى ما بي من غل وقهر .. فهو لا يتورع أن يحكى لي عن مغامراته.
تتعجب د. رنا من هذه العلاقة العجيبة وتقول لها: لن أكون عليكِ حَكَمَاً أو ناصحة .. فإننى أرى بداخلك نقاء مخبوء وحان استثماره.. فما الضرر الواقع عليكِ من انتشال روحك النقية من هذا الزلق المهين؟؟
تبتسم مريم من بين دموعها وتقول: أنا المعيلة الوحيدة لأسرتي سيدتي …
لم تُكمل جملتها حتى عاجلتها رنا بقولها: سوف تعملين معى.. أحتاج ممرضة واعية مثلك في عيادتي.. وسيكون لكِ كل الضمانات وأكثر .
تسحب مريم منديل من حقيبتها.. تمسح دموعها وبنظرة بريئة وحركات طفولية تنظر إلي عيني رنا نظرة امتنان .. تعود إلي عملها مُحملة بأسف كبير لعفافها الذي تدنس .. تتصارع بداخلها قوة الرغبة مع قوة التراجع والعودة لحياتها النقية..
تقفز صورة رنا الوديعة شاخصة أمامها.. تمنحها القوة لغسل روحها من أوحالها.. يأتى مجدى لحجرتها ليلا.. يجدها متنمرة.. يحاول تقويض عزيمتها .. فتنكسر مخالبها.. تقفز صورة رنا مرة أخرى لتقف حائلا بينها وبين ضعفها.. تستنفر شجاعتها .. تفتح حقيبتها لتُخرج منها استقالتها.. يضحك الدكتور مجدى ساخرا منها.. فيخرج حافظته ليرضيها بالنقود.. تشعر مريم برخصها للمرة الأولى منذ عرفته.. تُلقى الاستقالة في وجه وتغلق باب الحجرة خلفها.. يحاول مجدى إقصائها عن عزمها باتصاله المتكرر بها .. يعدها بوعود براقة .. فيزيدها تمسكه بها صلابة.. يمل صدودها.. فيقول لها هازئاً: خسارة.. كنتُ استخدمكِ مَسَّاحة لأخطائي.. كنتِ تجيدن فن المسح.. سأجد حتما البديل سريعا .
تشعر بغصة شديدة .. تبتلعها وتقرر تغيير رقم هاتفها ومسحه من حياتها للأبد.. تتنفس بعمق لتُخرج من صدرها أخر أنفاس الدنس .. تعود إلي بيتها لتضم أولادها كأنها كانت في سفر بعيد.. وتدخل إلي حجرة زوجها .. تشد علي يده وتقول له : سوف أكرس حياتي لرعايتكَ.. فأنت استثماري الذي سأتقرب به إلي الله .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s