نشرت تحت تصنيف سيدتى بأقلام مبدعين

.البائع الصغير بقلم الاستاذه نبيله غنيم

……………البائع الصغير ………………

صورة ذات صلة

تنظر إلي عينيه فتجد فيهما حديثا لم يجرؤ علي التفوه به .. ما بعينيه مجرد تعبير غير قابل للترجمة اللغوية.. بل مشاعر متلاحقة .. إن رحت تترجمها جعلتك تتوه حتى ترى كلمات أخرى غير التى استنبطها.. بين شفتيه المتشققة من أثر الحرمان ..
تساءل .. لماذا أنا هكذا؟؟ لماذا يأكل الفقر جسدى ؟؟ ينظر إلي وجوه الناس بعينين كأنهما بندول ساعة.. يتحسس وجهه ليتأكد أن مكوناته هي نفس مكونات وجوههم .. لا ينقصه إلا دموية يُحدثها الطعام الجيد والحياة الرغدة.. فرغم وسامته إلا أن الفقر أضاع بعض معالم هذه الوسامة ..وأفلح الزمن في نقش تلطيم الحياة علي وجه.. فهو مسئول عن أسرة وهو مازال في سن اللامسئولية.
يتسحب وهو يدخل المصلحة الحكومية ليبيع المناديل الورقية للموظفين.. يستقبله موظف الأمن بصفعتين وبعض السباب المخجل.. تراه الموظفة “حسناء” فترحمه من يد الموظف، بل ترجته أن يتركه ليسترزق .. فتركه من أجل عيونها وهو يقول: الحسناوات لا يرد لهن رجاء، يمشي البائع الصغير إلي جوارها.. يود أن يحتمى بها .. أن يمسك بطرف ملابسها كأي طفل يحتمى بأمه.. لكنه ابتعد قليلا حتى لا يفقد حمايتها.. سألته عن اسمه، فأجاب بصوت كالهمس: اسمي “جودة” .. تبتسم له وتعطيه بعض النقود وتسرع الخطى حتى توحى له بالانفصال.. يتأخر “جودة” ويتقدم ثم يدخل أحد المكاتب ويعرض بضاعته دون أن ينبث ببنت شفة.. يشتري منه واحد ويتأفف الآخر ويقول أحدهم في عنجهية: كيف يسمح الأمن بدخول هذه الأشياء القذرة داخل المصلحة؟
ينقبض صدر “جودة” ولكنه يتجلد ويرمق العنجهي بنظرة غير الآبه وينتقل إلي مكتب آخر.. يرى الوجوه متشابهة وإن تغيرت الأسماء.. تناديه إحداهن وتسأله عن موظف الأمن الذي ضربه.. يضطرب “جودة” وكأنه رجل طُعن في كرامته.. ويقول بصوت خشن: ” محدش يقدر يضربني” ..يمسح المكان بنظرة سخرية .. هو متأكد أنه لم يكن أحد ليراه سوى تلك الموظفة الرقيقة التى حفر صورتها في رأسه الصغير ..فقد أعطته نقودا دون أن تأخذ منه شيئا.. فكيف رأته هذه الموظفة البشعة؟
تمصمص إحدى الموظفات شفتيها وتوجه الكلام إليه مواسية ” معلهش يا “جودة”.. راجل معندهوش دم اللي ضربك” ينظر “جودة” إليها رغم طأطأته لرأسه ويغادرها إلي مكتب آخر وهو ناقم عليها لأنها أهدرت البقية الباقية من كرامته التى دائما ما يدوسها الآخرون غير مبالين بها ولا به شخصيا.. يتنقل بين المكاتب، فيشتري منه من يشتري ويزجره من يزجره.. وها هو أمام حسناء.. نظر إليها علي استحياء وقرر استثناء مكتبها، ولكنها أشارت إليه إنها تريد شراء مناديل .. ومدت يدها إليه بالنقود حتى يقترب.. لم يتفوه “جودة” بكلمة وأدرك أنها تريد طمأنته .. افتر فم “جودة” بابتسامة صغيرة .. فإنه كان لا يجد ضرورة للابتسام من قبل .. فالتجهم صار حليفه، فهو ليس بطفل ولا هو برجل كبير.. فإن كان طفلا .. فأين مرح الطفولة والحياة السهلة وهدهدة الأم واستحسان من حوله لبراءة طفولته.. أين اللعب الذي يلهو به أقرانه.. أين المكان الذي يمارس فيه هواياته ويقضى به وقتا مليئا بالصخب والعبث.. وإن كان رجلا .. فلماذا يستهين به الناس ويصفعه موظف الأمن دون أن يثأر لنفسه ولكرامته ويرد له الصاع صاعين. إذاً هو لا يرى محلاً للابتسام لأنه لا يرى معنى حقيقيا لوجوده.
يعود “جودة” إلي بيته ليلا خائر البدن، ولكن قوة عجيبة تهبط عليه فجأة عندما تمر حسناء علي خاطره، فيعود للابتسام.. ينظر إلي أمه التى تكومت علي فرشة سميكة علي الأرض ، فيجلس إلي جوارها يتأملها وقد ذهب النوم بإحساسها بوجوده.. فلا يجد فيها لمحة من الرقة الأنثوية التى يراها في حسنائه .. فأمه نحيفة جدا وكأن هيكلها العظمي من خشية أن يراه الناس اكتسي بالجلد.. تركها “جودة” وراح يراقب هيئته في نصف المرآة التى التقطها من أمام حائط بيت فخم… أول ما لمح صورته تذكر صوت الموظف العنجهي وهو يقول له: كيف يسمح الأمن بدخول هذه الأشياء القذرة داخل المصلحة؟ تتكرر الجملة في أذنه .. يحاول استدعاء النوم ولكن طبل الاحتقار والازدراء يظلان يضربان رأسه حتى يغلبه النوم .. تموت أمه المسكينة.. يواريها تراب الصدقة.. يبكيها كثيرا .. يشعر بوحدته أكثر .. 
يسكن في ظلمة من الأحزان المخلوطة بالأحلام.. كل ما كان يحلم به هو أن يحقق آدميته التي خلق من أجلها .. يستفيق لحلمه الذي يهبه القوة..
أقسم “جودة” أن يحقق حلمه .. فصار يبيع ويشتري ويقتصد .. حتى صار شابا .. ينظر في مرآته المكسورة ليري فيها بعض آدميته ..ابتاع لنفسه بعض الملابس الأنيقة برغم رخصها .. فصار محط العيون بوسامته وأناقته وأمانته.. بدأ تجارته البسيطة بالمبلغ الذي اقتصده.. وافتتح محل ورد.. وتطور في تجارته .. فألحق محل الورد بمحل عطور وذاع صيته قي تصنيع أرقي العطور وأزكاها.. ومع الأيام صار عطر جوده ماركة عالمية.. أكمل تعليمه وذهب لمن أنصفته يوما ليهديها عطوره ويشكرها علي تقديره يوما ما .. وحكى لها مشوار كفاحه.. فإذا بابنة حسناء اليافعة تدخل من الباب لينبهر بها جودة.. تتوالى الزيارات وتتوطد العلاقات .. فترى حسناء في عينيه فرحته بابنتها “جودى” فتبتسم له.. فيبادرها بقوله هل لجوده أن يقترن بجودى أم ما زال الطفل المسكين مرسوما في عينيكِ؟
رحبت حسناء به.. وابتسمت الحياة لجودة .. ومع زوجته الجميلة أقام إمبراطورية للعطور التى فاحت بالأمل والثراء.