نشرت تحت تصنيف سيدتى بأقلام مبدعين

حزن مخبوء خلف ابتسامة بقلم الاستاذه نبيله غنيم

حزن مخبوء خلف ابتسامة 

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏خطوط‏‏‏

أشعة الشمس الصارمة تلهب خديها وتضرب رأسها بعنف .. وجهها الأبيض المشرب بالحُمرة يصبح أحمرا قانيا .. تلهث مسرعة الخطى مع خطوات الساعة المجنونة لتصل إلي عملها في الموعد المحدد.. يأخذ جمالها العيون.. يحاول البعض التقرب إليها .. لكنها الملكة التى تترفع ويطل الشموخ من قامتها المنتصبة ساميا.. الكل يحاول القفز علي سور حياتها .. ولكنها موصدة الأبواب .. فلديها من الأحلام ما يغطي السماء والأرض.. لا مساحة لطير جارح أو فأر مرتجف يبحث عن غنيمة يسد بها رمقه.. 

فهي تتخذ من الذكرى معطفا دافئا رغم برودة حياتها.. ومن الابتسامة لحنًا شجيًا يُطرب القلوب الحزينة .. وتنثر الحياة فوق بســـــاط عمر أولادها الوارف..

هذا كان حالها بعد الرفاهية المفرطة التى كانت تعيشها مع زوجها الذي توفي في لحظة عابثة وهو في طريقه إلي عمله.. توقفت عجلة الزمن هذا اليوم واصطدم قلبها بعويل لم يكن بين حساباتها .. قررت أن تتجاسر وتصمد .. عندما رأت انهيار كيانها التى اشتركت معه في بنائه ورصعته بلآلئ الحب .. فلم يرحم أحد أحزانها ولم تجد الحائط الذي تستند إليه من بعده.. بل وجدت أظافر تتخلل كيانها المنهار .. أظافر تريد أن تنهش البقية الباقية من الكيان الذي رحل صاحبه.. ضمت ولديها وقررت الرحيل بهم بعيدا عن الطامعين .. لتزرع لها جذورا في أرضٍ أخري إلي جوار قلوب تحبها وتغدق عليها حنانا دون غرض .

تتلحف بليل يكتنفه الصقيع.. تشرنقت داخل جسدها .. تبحث عن شئ كان هنا بين أحضانها ينبض بالحياة والدفء .. تشير إليها أصابع الظلام القاسية، إن ما تبحثين عنه لن يعود.. تشعر باختناق شديد.. أذابته بدمعات بللت وسادتها.. تتستر بالأحلام .. يتهادى عطره الأنيق يُعبق كيانها.. يسرى في شرايين جسدها المُخدر بين النوم واليقظة.. يداعبها .. يطبب أحزانها .. وتراه شاخصا عند قدميها قائلا لها من عالمه الآخر: معذرة يا جميلتى.. أنا أعلم انك قوية.. تركتكِ حينما شعرت بأنك ستتحملين .. قررت أن أتلاشى وأسكن بداخلك .. لن ابتعد كثيرا.. سأكون الطيف الذي يظلل حياتك.

استيقظت من غفوتها.. تأرجحت بين الحزن والشوق.. علقت صورة كبيرة له علي الحائط .. تسمرت أمامها .. لتراه مرة لحم ودم ينبض بالحياة.. ومرة صورة صامتة ميتة.. تتحجر الدموع في مقلتيها .. تناجيه أحيانا وتسخر من أملها في عودته كثيرا.

جمعت كل ما تملك من تراث أيامهما الخوالي وصرته في قلبها، وانطلقت في الحياة تجاهد وتبعث القوة في نفوس أولادها.. تغلق باب قلبها الحديدى على أسرارها، فلا سبيل لأحد ممن حولها لاختراقه.. فماضيها وحاضرها لها وحدها.

لم يمهلها القدر حتى تشعر بالأمان.. بل تعثرت في صخرة المرض.. فقد مد السرطان يده الخبيثة إلي أحد
مفاتنها لينهشه .. خطف الخبيث البسمة العذراء من بين شفتيها.. وتسرب الخوف إلي قلبها.. تتوه في غيبوبة من الفكر !!

ماذا لو فقدت حياتها.. ما مصير أولادها؟؟.. الموت علي بعد أمتار منها .. ليست مستعدة للموت الآن..
اتجهت إلي الله بالدعاء ليخفف عنها وينتزع هذا الخبيث من جسدها حتى تستأنف مشوار كفاحها.. ليس من أجلها.. فهى قد فقدت حياتها سابقا… بل من أجل صغارها.. فقد كان شبح الموت يفتت قلوبهم الصغيرة.. يرعبهم ويجعلهم يتشبثون في ذيل أمهم الأكثر وجلاً منهم.

تدخل في دوامة العلاج القاسية .. يتشح الوجه الجميل بالصُفرة .. ويلتف العود المشوق بالهم.. ترجو الانعتاق والتحرر من الكيماوي والإشعاع واقتلاع المرض من جذوره.. 

نهار كسيح يدب بقدميه الواهنة داخل قلبها المثقل بظلام المرض المُدمر.. ضوء خفيف يصيبها بالأمل.. يصحح الخلايا المتمردة .. يطرد أوجاعها.. أشتعل سراج الأمل الخامد بداخلها.. حفَّزتْ ذاكرتها المسكونة باليأس.. وحرضتها علي النهوض لبناء ذاكرة جديدة من لبِنات قوة نبضها..

اضطر جسدها أن يحترم عزيمتها وشموخها.. أن يقاوم الموت الذي يُمارس عشق حصاد الأرواح.. أطلقت عصافير أفكارها التى سكت صوتها منذ أن صدمتها التقارير الطبية.. تبتكر لوناً جديدا من أغاني الحياة ..تعتلي سماء الغرفة البيضاء قناديل راقصة لتشعل نور روحها المطفأة..

ازدهر بنفسج العمر وأنبتت أرضها فلاً ورياحينا.. صار كل يوم يمر يهديها وردة أمل حتى عادت إليها ابتسامتها.. وقفت مرة أخرى أمام صورته الكبيرة تَعِدهُ أن تُكمل المشوار الذي حَلُمَا به سويا.. وسقط بعضه في منتصف الطريق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s