نشرت تحت تصنيف سيدتى بأقلام مبدعين

قلب امرأة

قلب امرأة
لم تكن الوحدة تحاصر قلب ” أمينة غالي” الذي امتلأ بقلوبٍ كثيرة، منها الدامعة والمنشرحة والراضية والمتذمرة.. تشكيلة كبيرة من القلوب التى تتوافد عليها طلبا لاستشفاء الروح أو التفريج عن النفس.. فهي قد اختارت وحدة الجسد – فلم تتزوج- وأطلقت روحها في خضم القلوب العاشقة لها.. تمنح الجميع من فيضها .. فهي قلب يُقال أنه امرأة.!!
جاءها “محمود صالح” يسعى والأيام الغابرة تتوافد علي رأسه المحمل بالهموم، ونشيج مكتوم يتردد في صدره .. يرى صباه يتأرجح بين ناظريه .. يراها في باكورة شبابها وهو طفل صغير.. مفعمة بالأمومة .. تغدق عليه وعلي كل أطفال العائلة من حنانها وعطاياها الكثير.. شب عن الطوق بين يديها.. فكانت معشوقته الوحيدة التى أغلق عليها قلبه.. كانت هي النموذج للمرأة التى يريدها.. لكن كيف يصارحها بمكنونات صدره؟ كيف يصارح والديه وهما يرونها أختاً كبيرة تمنح دون هدف؟! حاول أن يُلمح لها بما يعتمل في نفسه .. لكنه كان يُقابل بكلمات أم حانية أو أخت مُحبة.. فلم يجرؤ علي مصارحتها ولم يجد طريقا يسلكه إلي قلبها.. فتزوج ممن ألحت عليه والدته بزواجها.. “عفاف الفقي” زوجة من عائلة مرموقة تليق بعائلته الثرية .. استحسن فيها الوداعة.. وتأنّق ذاتها، وأسلوبها المعطر المنمق.. ونشاطها الملفت للنظر.. النشاط الذي أعجب والديه أيضا وتوقعوا أن يكون نشاطها مُنْصباً علي بيتها في المستقبل.. ولكنه فوجئ أنها لا تحب المنزل ولا الأعمال المنزلية.. تخرج عند أول ضوء للنهار وتعود مع طلوع الشفق الأحمر، لم تكن تعرف عن بيتها شيء .. فكل شئ مُوكل للخدم.. فهناك من يطبخ و غيره يُنظف، ومربية تقوم علي رعاية الأطفال.. فعاش “محمود صالح” معها كجسدٍ بلا روح.. رغم إغداقه عليها فيضا من المودة والرحمة.. أنجب منها ولدين وبنت واحدة ..
كانت “عفاف الفقى” ترى الدنيا لوحة عشوائية.. وأنها لابد أن تتجانس مع هذه العشوائية.. فالنظام صار أسطورة في حياتها.. فهي لا تعبأ إلا بما سيدخل جوفها فقط.. وبما ستظهر به من هندام وزينة.. وحياة بوهمية بلا مسئولية.
واليوم وبعد عشرين عاما جاء محمود لأمينة ليلقي همومه بين بيديها كما كان يفعل وهو في صباه.. ويشتكي تلك التى هدمت حياته وسلبته بهجة روحه وأغلقت كل مسام سعادته .. حتى ضاقت به الحياة وتلاشت صورتها في عينيه.. ولم يبق في حياته إلا طاقة نور واحده ، هي أمينة بقلبها الذي يسع الكون.. أما أولاده الذي كان يستمد منهم الطاقة للبقاء .. فكان كلما طل عليهم ازدادت نفسه حنقا علي هذه الزوجة التى تجاهلت وجود الأسرة في حياتها..
فالابن الأول ” راضي ” يحب حياة والدته الفوضوية.. والثاني ” مأمون ” يحب النظام والحياة الجادة.. أما البنت ” أسماء” فهي متفرجة .. لا تُعرب عن مكنوناتها وتأخذ دور المشاهد شديد الإنصات.. وتخزن في الذاكرة كل المشاهد.
ظل “محمود ” يحكى لأمينة ويبكى بين يديها قائلا: ظننت نفسي كبيرا علي الأقل في عيون الآخرين وفي عينها هي بالذات.. ولكن يبدو أننى واهم.. فقد رسمتُ لي ولها صورة مثالية كأب وأم يجمعون أولادهم بين حوائط أربعة مرصعة بكل ألوان النعيم.. 
ولكنها لطختْ هذه الحوائط بتصرفات عشوائية حتى أغرقتْ سفينة الأسرة في الأوحال.. صارت أخبارها تلاحقنى بصدمات متتالية
ويكمل وقد ارتجف جسده : “أصبحتُ أشعر بحوائط بيتى تكاد تنطبق علي جسدي الهزيل وتخنقنى.. لم أتصور أبدا أن زوجتى جرفها تيار الرذيلة.. وقد انقلبت وداعتها إلي نهم جارف أعلن سيطرته علي عقلها.. وكيف لذت لها فكرة النصب لدرجة توريطيَّ مع شخصيات كثيرة بتوقيعها علي شيكات وإيصالات !! بعد أن أخذت مساحتها بين عملها والنادي .. وقد علمتُ أنها تتحدث مع بعض أعضاء النادى من أصحاب الثراء والنفوذ، فتوهمهم بمشاريع ناجحة قامت بها وتحدثهم عن مدى تفوقها وذكاءها مما يدر عليها المال الوفير.. وكيف أن أفكارها الفذة التى تحتاج إلي أموال أكثر للصعود بها لأعلي مستويات الربح.. ثم تُطلعهم علي علاقاتها الكثيرة بكبراء المجتمع حتى تكسب ثقتهم.. كانت دائما ترصع ألفاظها بالذهب المسبوك الذي يسحب عقل المستمع.. وتقف علي درجة الإحباطات والآلام النفسية التى يتعرض إليها البعض .. تجمع كل المعلومات عن ضحاياها أولا.. ثم تتقرب إليهم .. وتلقى الجميع بوجه برئ .. ولم تعد تحافظ علي أدنى أنواع الكرامة من أجل الوصول لهدفها في الإيقاع ببعض الشخصيات لابتزازهم .. حتى أنها فرطت في شرفها ودنست شرفي وشرف الأسرة.. بل العائلة بأكملها.
والمصيبة الكبري أننى رأيت بعيني بعض “الفيديوهات” المشينة لها مع بعض الرجال.. بل والمصيبة الأكبر أن ” مأمون ” رأي ما رأيت فكانت الطامة الكبرى فقد اجتاحته حالة من الذهول حينما رأي تلك “الفيديوهات “.. وكدتُ أموت خوفا عليه وهو يصف لي حالته حينها..فقد تلاشت الرؤية في عينيه، وتباطأت دقات قلبه حتى أوشكت علي التوقف، وضاق صدره، فلم تعد أنَفاسه تتابع في سهولة، وصارت ملايين الأسئلة تضرب رأسه.. وتمزق نياط قلبه، ، كيف لمن يعتبرها مصدرا لحياته وسعادته، هي نفسها السبب الآن في تدميره وموته خجلا وكمدا.. كيف لرمز الطُهر والنقاء أن تكون هي الرزيلة والدنس والخطيئة؟؟!! 
كانت كلمة “كيف؟؟ ” تدق فوق رأسي ورأسه كطبول الحروب التى تنذر بالموت والدمار… مما أدخل “مأمون” في حالة فَقْدِ السيطرة على عقله فقام بتكسير كل شئ في البيت .. وعندما هدأت ثورته أخذنا ننظر إلي البيت وكأننا نراه لأول مرة .. بيت بارد بلا جدران تحميه، يحوى كل ما غلا ثمنه ، ولكن لم نعد نري أن أي شئ له قيمة أمام مشاعرنا المتهاوية .
سألته أمينة عن موقف راضي وأسماء ؟ فقال في حسرة:
عندما علمت “أسماء” تملَّكها شعور الغرق في هوة سحيقة وكأن روحها تنسحب في بطء شديد، وسقطت مغشيا عليها.. وبعد أن استفاقت حكت لي والدموع تنهمر من عينيها عن مشاعرها هذه ثم قالت: أنها رأت أثناء انهيارها وكأن أحداً يشبه أمها يقف علي فوهة الهوة يسدها بإحكام .. يمنع عنها الهواء ويُطبق علي رئتيها .
وبعدها انزوت في حجرتها كفأر مذعور يخاف مواجهة البشر .. 
أما “راضي” فلم أفهم ردة فعله.. فقد سارت حياته علي نفس الوتيرة السابقة وكأن شيئا لم يكن!! ولكنى متأكدا من أن ثلاثتهم يلعنون الذاكرة التى تحتفظ بتلك المشاهد المشوهة .. وأن عفاف ترتسم في عيوننا الآن كالحمامة التى أحرقت العش الهادئ حينما حملت النيران في جناحيها .. وأصابت قلوبنا بحروق لا شفاء منها.. كما وأدت أحلامنا جميعا ولا أدري من أجل ماذا؟؟!!.. وحولتنا إلي خروق بالية يستهزأ بها الجميع.
والكارثة الأكبر يا أمينة أن عفاف بعد تورطها الشنيع عادت للبيت تستنجد بنا وتستغفر وتسترحمنا وتحاول لملمة ما تبعثر منها.!! 
وقعت أمينة في “حيس بيص” فقد ألجمتها الحكاية .. ولم تعد تعرف من أي قاموس ستأتي بكلمات لتُطبب بها جروح هذه الأسرة المكلومة التى انهارت وتلطخت بيد – من كانت من المفترض أنها – “ملاكها الحارس”!!
ساد الصمت بين محمود وأمينة قليلا .. ثم اندفع محمود قائلا: تزوجيني يا أمينة .
انتفضت أمينة وارتعد قلبها في جوفها وانطفأ بريق ابتسامتها فجأة وجحظت عينيها .. وأصابها شئ من الصمم وكأن كل ما حولها أصابه السكون.. فعاجلها بأسفه .. قائلا: معذرة .. لا أدري كيف صدرت منى هذه الكلمة.. يبدو أنها كانت محبوسة سنوات كثيرة فهربت منى الآن دون قصد.. يبدو أن بركان صدمتى في زوجتي قذف ما بداخله من حمم مكبوتة.. فسامحيني.
لملمت أمينة ما تبعثر من مشاعرها واستعادت ضوء ابتسامتها سريعا.. وقالت له: يبدو أنك نسيت أنك طفلي المدلل .. ابتسم محمود ابتسامة مُرة وقال لها: بماذا تنصحيني سيدتي الجميلة.. ماذا أفعل في مصيبتى؟
فردت في هدوء: لا شك من أنها أجرمت في حقك وحق بيتها جرما ً لا يُغتفر ، ولكنى أعرفك كريما متسامحا.. فإن استطعت أن تحافظ علي بيتك وعليها ويكفيها ما أخذته من حرية أساءت بها إلي نفسها وإلي أسرتها.. لو استطعت لملمة ما تحطم بينكما وأن تداوى الجروح المتناثرة في وجهك ووجه أولادك .. فسامحها واجمع شتات بيتك وضع قواعد صارمة لهم جميعا ..فلا ننسى قول رب العالمين “إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا” وإن لم تستطع فليس أمامك سوى أبغض الحلال.

لا يتوفر نص بديل تلقائي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s