نشرت تحت تصنيف سيدتى بأقلام مبدعين

زوج من هذا الزمان بقلم الكاتبه/نبيله غنيم

 زوج من هذا الزمان

رتابة الحياة تُفسح المساحة لجرثومة القنوط للفتك بعقل “رنا” .. طلاسم تدور حول أذنيها.. لا تعرف من أين أتت ولا أين ستذهب .. طلاسم تثنيها عن رضا قلبها.. عن حياتها. وتُضلها عن الوجه المشرق فيها.. لا ترى إلا قلة حيلة زوجها في كل موقف.. 
وعجزه في أخذ القرار الذي يجب أن يُقَرِرَ فيه لحياتهما .. فهي تراه مشوش الفكر .. يعيش حياته كبهلوان يعشش الوهن في رأسه.. يضحك علي أي سخافات ويتفاعل مع التفاهات بلا عقل .. فيكاد يقفز كقرد يريد أن يخطف من الحياة ثمرة يلتهمها بنهم ثم يقفز ليبحث عن غيرها..

يتوهم أنه هو في حد ذاته مصدرا للثقافة .. وأنه “هيرو” الذي يَقُوم بِدَوْرٍ رَئِيسي في حياة من حوله.. ويستطيع أن يمنح السعادة لذويه.. رغم أنه لا يمتلك مقومات ثقته الوهمية هذه!! فهو كثير الكلام قليل الفعل.. يحكى عن بطولات وهمية كـ “دون كيشوت” وهي لن ترضي بأن تكون “سانشو” المسكين التابع الأبله لـ “دون كيشوت” .
وهذه الصورة في نظرها غير لائقة بالرجال,, فهي التى تربت علي الصرامة والجدية.. وقد رُسِمَتْ صورة الرجل الحق في رأسها كزعيم متميز .. إذا تكلم أنصت الجميع.. وإذا استشاره أحد أنصف الرأي.. حنانه يسكنه الحزم.. رأسه مصدراً للثقة .. يدير بيته كما يدير دولة.

والرجل الذي تزوجته لم يُظهر لها رجولة عقله وقلبه.. الرجولة التى تُبهر عقول مثيلاتها من النساء اللاتي يتطلعن إلي رسم الشخصيات التى يجب أن تحيا معها.. ترى تفاوتا كبيرا بين طبيعتها الرزينة المتأملة وطبيعته الثائرة التافهة.. والتى إذا ثارت طاش بثورته حتى يصبح كمن يمثل مسرحية هزلية.

باتت (رنا) كثيرة الأرق .. أفكار كثيرة تعتمل في قلبها.. حيَّرتها شخصيته.. هل تتقبله لأنه طيب ويستجيب لكل طلباتها.. أم ترفضه لشكها في قدرته علي توفير ما تتمناه في رجلها؟؟.. أفكارها تكاد تهدم حياتها في بواكيرها.. ولكن لا تكاد تصفه لنفسها حتى تتأرجح في الحكم عليه .. تسمع صوت أحجار روحها المتهدمة وهي تتهاوى تحت قدميها ولا تملك ترميمها.. 

تلجأ لصديقة عمرها “منار” لتتساير معها في شئون وشجون الحياة.. فلم تجد لدى صديقتها إلا البكاء من زوجها المتسلط وأمه التى تُنكِر فضلها .. إذ أن”منار” ظلت في خدمتها إلي أن تعافت .. وأول ما تعافت.. تعافت عليها.. وأثارت زوابع لا حصر لها بينها وبين زوجها..

طارت إلي صديقة أخرى خالية من المشاكل – فهي لم تتزوج بعد- لتجد عندها راحتها وتُثبت لنفسها أن الحياة ظلمتها.. وأنها لها حق رفض هذه الحياة.. وعودتها للحياة الوحدوية.. فلم تجد لدى صديقتها العزباء إلا الشكوى من مجتمع يسألها دوما: لماذا لم تتزوج حتى الآن؟ .. وخُطاب كُثر يتناوبون علي بابها .. ولا خِطبة تتم.. والزمن يمر بلا زوج ولا ولد .. هذا غير نظرة الحزن في عين والدتها التى تحلُم بها عروسة .. وتَحَطُم أعصابها علي صخرة المجتمع الذي لا يرحم..

انتقلت من صديقة إلي أخرى.. فلم تجد عند واحدة منهن ما يجعلها تطمئن إلي عدم تكملة حياتها مع زوجها هذا.. وأن تجعل صفاته ذريعة لتخريب حياتها.. فقد بدت حياة معظم صديقاتها عسيرة على الهضم.. فمنهن من أفضت لها بأسرار زوجها المتسكع في دهاليز الأخريات وأنانيته المفرطة في الإنفاق علي نفسه وعلي نزواته ..

وأخرى راحت تلعن تلك اليد الممدودة لها والطامعة في راتبها وأي مدخول لها.. ومعاملة أهل الزوج لها علي أنها الشاة التى يحلبونها ويستعدون لذبحها إذا ما نقطع لبنها..
غرقت “رنا” في سديم الحيرة وهي تقول: هل كف المجتمع عن إنتاج الرجال؟ !!
وحاولت أن تقنع نفسها بأنها تختلق العيوب لتخفف من صدمتها في رجال هذا الزمن.. أو لتتعايش مع كل ما تشعر به من نواقص زوجها.

تذكرت نصيحة والدتها: “( الحياة لها وجهان.. فحاولي أن تديري وجهك عن قبحها وانظري لجمالها حتى يصيبك الرضا)” فراحت تطفئ شعلة أفكارها السلبية .. وتضع أمام ناظريها إيجابيات زوجها، فرأت الشيطان يتأذى ويُجاهد لإشعال أفكارها المنطفئة مرة أخرى .. حاولت مقاومته بكل قوتها حتى همد الضجيج بداخلها وساعدها في رتق ما تهتك بداخلها و تَقبُل الواقع والتعايش معه، شعورها بنبض يعزف ألحان الأمومة يتحرك في أحشائها.. فصارت في طريق تطويع الأفكار المتمردة، وتقويض القنوط المتضخم بداخلها.

لا يتوفر نص بديل تلقائي.

رأي واحد على “زوج من هذا الزمان بقلم الكاتبه/نبيله غنيم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s